الشيخ محمد رشيد رضا

68

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

اللّه أفتنا في شرابين كنا نصنعهما باليمن - البيتع وهو من العسل ينبذ حتى يشتد - والمزر - وهو من الذرة والشعير ، ينبذ حتى يشتد . قال وكان رسول اللّه ( ص ) قد أوتي جوامع الكلم بخواتمه فقال « كل مسكر حرام » رواه أحمد والشيخان . وفي حديث علي كرم اللّه وجهه : ان رسول اللّه ( ص ) نهاهم عن الجعة . رواه أبو داود والنسائي وغيرهما . والجعة بكسر ففتح نبيذ الشعير . وتسمى بالافرنجية « بيرا » والأصل في النبيذ ان ينقع الشيء في الماء حتى ينضح فيشرب بعد يوم أو يومين أو ثلاثة ولم يقصد به ان يترك ليختمر ويصير مسكرا كما تقدم ، ونزيد عليه ان النبي ( ص ) نهى عن النبذ في الأواني التي يسرع إليها الاختمار لعدم تأثير الهواء فيها كالحنتم أي جرار الفخار المطلية ، والنقير أي جذوع النخل المنقورة ، والمزفت وهو المقير أي المطلي بالقار وهو الزفت ، والدباء وهو القرع الكبير . ثم بين ان الظروف لا تحل ولا تحرم وأذن بالنبذ في كل وعاء مع تحريم كل مسكر . رواه مسلم وأصحاب السنن . وعن ابن عباس ان النبي ( ص ) كان ينبذ له الزبيب فيشربه اليوم والغد وبعد الغد إلى مساء الثالثة ، ثم يؤمر به فيسقى الخادم أو يهراق . رواه أحمد ومسلم . أي يصير بعد ثلاثة أيام مظنة لاسكار ، فهذه نهاية المدة التي يحل فيها النبيذ غالبا . وفي آخرها كان يحتاط النبي ( ص ) فلا يشربه بل يسقيه الخادم أو يريقه لئلا يختمر ويشتد فيصير خمرا والعبرة بالاسكار وعدمه . ( فائدة تتبعها قاعدة ) علم من الروايات التي أوردناها آنفا ان بعض الصحابة فهم من آيتي البقرة والنساء تحريم الخمر فتركها ، ولكن عشاقها وجدوا منهما مخرجا بالاجتهاد . وكان من سنة النبي ( ص ) ان يعذر المجتهدين في اجتهادهم وان كان بعضهم مخطئا فيه ، وقد يجيزه له إذا كان قاصرا عليه : أجنب رجل فأخر الصلاة إذ لم يجد الماء فذكر ذلك للنبي ( ص ) فقال « أصبت » وأجنب آخر فتيمم وصلى إذ لم يجد الماء فذكره له كالأول ، فقال له ما قال للأول « أصبت » رواه النسائي . وأجاز عمل عمرو بن العاص إذ تيمم للجنابة مع وجود الماء خوفا من البرد وصلى اماما فسأله عن ذلك فاحتج بقوله تعالى ( وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) رواه